السيد حيدر الآملي
280
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ألا تنبذها عنك ، فقلت أغرب عنّي ، فعند الصباح يحمد القوم السّرى » . [ نهج البلاغة ، خطبة 160 صبحي و 159 فيض ] . ومثل ذلك في كلامه كثير ، وله خطب كثيرة مخصوصة ببحث التقوى ، وليس يحتمل هذا المكان غير هذا والغرض أن كمال التقوى في ترك الحلال وترك الدنيا لا في ترك الحرام وطلب الدنيا . وحيث تحقق هذا وعرفت مقصدنا فيه ، فاعلم ، أن للتقوى عشر مراتب من حيث التفصيل وترتيب السلوك وتطبيقها بالمقامات العشرة التي هي : البدايات ، والأبواب ، والمعاملات ، والأخلاق ، والأصول ، والأودية ، والأحوال ، والولايات ، والحقائق ، والنّهايات . وثلاث مراتب من حيث الإجمال ومراتب الخلق وتطبيقهم بها ، أما الإجمال فمرتبة العوام ، ومرتبة الخواص ، ومرتبة خاص الخاص أعني المبتدي ، والمتوسط ، والمنتهي ، لأن الخلق بأسرهم لا يخرجون عن هذا الحصر كما أشرنا إليه الآن ، وقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ سورة المائدة : 93 ] . إشارة إلى هذه المراتب الثلاث لأن قوله : ليس على الذين آمنوا إلى قوله : وعملوا الصالحات ، إشارة إلى تقوى العوام وأهل البداية من عموم المسلمين والمتّقين وأنه ليس عليهم جناح فيما طعموا أي فيما فعلوا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، وتقديره أي ليس على الذين آمنوا بحسب التقليد أو التصديق القلبي جناح أي عتاب وخطاب فيما فعلوا من الصغائر بالجهل أو الغفلة التي هي إضافة الأفعال إلى غير الحقّ إذا ما اتّقوا بعده بالتوبة والرجوع من رؤية أفعال الغير وآمنوا بشهود الأفعال من فاعل مطلق ، ثمّ عملوا الصالحات أي عملوا الأعمال القلبية دون القالبيّة التي هي التوكل والتسليم والرضا ووصلوا بها إلى التوحيد الفعلي وأثبتوا عليه وقالوا : لا فاعل إلا هو ، وإلى هذا أشار النبيّ ( ص ) في دعائه :